عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

103

اللباب في علوم الكتاب

البيان عن وقت الحاجة ، والغفران يوجب ترك المؤاخذة . وللأوّلين أن يجيبوا : بأنه إنما ترك ذكر الكفّارة ههنا لأنه - تعالى - بيّنها على لسان رسوله - عليه الصّلاة والسلام - في سائر المواضع ، وترك المؤاخذة بقوله : « غَفُورٌ رَحِيمٌ » يدل على عدم العقاب ، وهو لا ينافي وجوب الفعل ، كما أن التّائب عن الزّنا والقتل لا عقاب عليه ، ومع ذلك يجب عليه الحدّ والقصاص . وأما إن كان الحالف في الإيلاء بغير اللّه ؛ كما إذا قال : إن وطأتك فعبدي حرّ ، أو أنت طالق ، أو ضرتك طالق ، أو التزم أمرا في الذّمّة ، فقال : إن وطأتك فللّه عليّ عتق رقبة ، أو صدقة ، أو صوم ، أو حجّ ، أو صلاة ، فقال الشّافعي في « القديم » ، وأحمد في ظاهر الرّواية عنه : لا يكون مؤليا ؛ لأن الإيلاء المعهود هو الحلف باللّه ؛ ولقوله - عليه الصلاة والسلام - : « من حلف فليحلف باللّه » « 1 » . وقال الشّافعيّ في « الجديد » - وهو قول أبي حنيفة ومالك وجماعة - إنه يكون مؤليا ؛ لأن لفظ الإيلاء يتناول الكلّ ، وعلى القولين فيمينه منعقدة ، فإن كان قد علّق به طلاقا أو عتقا ، وقع بوطئه ذلك المعلّق ، وإن كان المعلّق التزام قربة في الذّمّة ، فعليه ما في نذر اللّجاج « 2 » ، إمّا كفّارة يمين ، وإمّا الوفاء بما سمّى . وفائدة هذين القولين : أنا إن قلنا : يكون مؤليا ، فبعد أربعة أشهر يضيق الأمر عليه ، حتّى يفيء أو يعلّق ، وإن قلنا : لا يكون مؤليا ، لا يضيق عليه الأمر . قال القرطبي « 3 » : فإن حلف بالنّبيّ أو الملائكة ، أو الكعبة ألا يطأها أو قال : هو يهوديّ ، أو نصرانيّ ، أو زان إن وطئها ، فليس بمؤل ، قال : وإن حلف ألا يطأها ، واستثنى فقال : إن شاء اللّه ، فإنّه يكون مؤليا ، فإن وطئها ، فلا كفّارة عليه . وقال ابن الماجشون في « المبسوط » : ليس بمؤل ، وهو الصّحيح . قوله : « فإن فاءوا » ألف « فاء » منقلبة عن ياء ؛ لقولهم : فاء يفيء فيئة : رجع والفيء : الظلّ ؛ لرجوعه من بعد الزوال ، وقال علقمة : [ الطويل ] 1100 - فقلت لها فيئي فما تستفزّني * ذوات العيون والبنان المخضّب « 4 »

--> ( 1 ) أخرجه مالك في الموطأ 2 / 480 كتاب « النذور والأيمان » : باب جامع الأيمان ( 14 ) والبخاري 11 / 538 ، كتاب « الأيمان والنذور » ، باب لا تحلفوا بآبائكم ( 6646 ) ، ومسلم 2 / 1266 كتاب الأيمان ، باب النهي عن الحلف بغير اللّه تعالى ( 3 - 1646 ) من حديث ابن عمر بلفظ « إن اللّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، فمن كان حالفا فليحلف باللّه ، أو ليصمت » . ( 2 ) ( اللّجاج ) بفتح اللام ، وهو مصدر لججت بكسر الجيم ، يلجّ بفتح اللّام لجاجا ولجاجة فهو لجوج ، ولجوجة بالهاء للمبالغة ، والملاجّة التّمادي في الخصومة . ينظر تحرير التنبيه ص 194 . ( 3 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 69 . ( 4 ) ينظر : ديوانه ( 83 ) ، البحر 2 / 186 ، الدر المصون 1 / 522 .